
د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: رحيل وطن القماري
مسارات
د. نجلاء حسين المكابرابي
رحيل وطن القماري
رحل عنا اليوم وطن القماري، المبدع الفنان عبد القادر سالم، تبلدي المكان، وطني الشجن والإبداع، وكردفاني الهوى، وأثير أم درمان مسكنًا وعملًا عبر توليه رئاسة اتحاد الفنانين السودانيين، وبحري الهوى عبر جذوره بمنطقة النية شمال بحري، وحوازمي الأم والأمان. وتشكلت شخصيته ما بين العمراب والنيل الأبيض، والأبيض عروس الرمال، ليتدفق حنًا لأهل السودان الحبيب.
ورحل وهو يعتصر الألم والحزن على ما أصاب البلد من جروح وندوب وحروب ونزوح وتنكيل، ومحاولة اختطاف واغتيال الذكريات قبل الأرواح والأوطان، وسرقة الأفراح من عيون الأطفال والنساء والشيوخ، وضياع الأمنيات بسد الرمق بالمال الحلال، والستر، والصلاة في مساجد التقوى، والاستغفار، وإيقاد تقابة الخلاوي، ودعاء ختمة القرآن المجيد.
رحل وترك لنا الحزن على أهلنا بدارفور وكردفان، ورتلًا من الشهداء، والآلاف من مشاهد الرحيل والأحزان، وتغييرًا في ملامح الوطن الحزين الذي يمسح دموعه جنوده البواسل من القوات المسلحة، والمستنفرين، والمشتركة، والدراعة، والبراؤون، وهم على مدار الساعات من الفجر ومغيب الشمس يقدمون لنا الفأل بالانتصارات وتحرير المكان. كيف لا، والسودان أصبح هو العرس الأكبر للوحدة والتماسك والانصهار والاحتواء عبر معسكرات العفاض، النموذج السامي للمعسكرات التي احتوت أهلنا الأحباب من دارفور بحب منقطع النظير، حتى العاملين من منظمات الإغاثة بكوا وأثبتوا وعرفوا أن هنالك قلوبًا إنسانية لا تعرف القسوة، وأيادي بيضاء تمسح الدموع من عيون الصغار والنساء، لكنها لا تستطيع أن تنزع الذكرى والعويل والصراخ وصوت المدافع والجنجويد.
ونقول لك: هي الأقدار في الاختبار والتحدي، بأن نكون أو لا نكون في خارطة العالمين، من دول أطربتها أنت بصوتك الشجي وحديثك الثر عن ثقافة السودان وفنونه وحضارته وإرثه الإنساني وحلمه، في فرنسا وبريطانيا واليابان ويوغندا وغيرها.
وكل الدعوات لك بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، وأنت ومن رحلوا في هذا الزمان والتوقيت قد خلفتم لنا معينًا من الحزن لن ينضب، ولكن عزاءنا الوحيد أنكم من كتبتم على تاريخ السودان الحبيب المجد والخلود.
إنا لله وإنا إليه راجعون.