اجتماع نيروبي .. محاولة مكشوفة لإرباك معركة الكرامة

اجتماع نيروبي .. محاولة مكشوفة لإرباك معركة الكرامة

تقرير: مجدي العجب

في توقيتٍ لا يخلو من الريبة، خرجت مجموعة من القوى السياسية والمدنية تحت لافتة “مناهضة الحرب” بوثيقتين تحاولان إعادة تدوير خطاب قديم فشل في قراءة الواقع، وتجاوز تضحيات الجيش والشعب في معركة الكرامة الوطنية. فبينما يخوض السودان حرب بقاء ضد مليشيا متمردة استباحت الأرض والعِرض، تسعى هذه القوى إلى خلط الأوراق ومساواة الدولة بمؤسساتها الشرعية بمن فجّروا الحرب وأشعلوا نيران الفوضى. إن ما سُمّي بـ“إعلان المبادئ” و“مذكرة التصنيف” لا يعدو كونهما محاولة سياسية مكشوفة للانقضاض على إرادة السودانيين، وفتح نافذة لعودة الوصاية الخارجية، وضرب تماسك الجبهة الداخلية في أخطر لحظة تمر بها البلاد، في وقتٍ يحتاج فيه الوطن إلى الاصطفاف خلف جيشه وحكومته، لا الطعن في الظهر تحت شعارات براقة وسلام مُعلّب.

 

اعلان مبادئ

 

ووقّعت قوى سياسية وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، في نيروبي، وثيقة سياسية تحت عنوان إعلان مبادئ لبناء وطن جديد، حوت مفاهيم مشتركة لوقف الحرب، كما اصطف الموقعون خلف مذكرة تدعو إلى تصنيف حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية منظومة إرهابية. وشملت قائمة الموقّعين: حركة تحرير السودان، المؤتمر السوداني، التجمع الاتحادي، البعث العربي الاشتراكي – الأصل، حزب الأمة القومي، الحركة الشعبية – التيار الثوري الديمقراطي، حزب البعث القومي، التحالف السوداني، الحزب الجمهوري. كما وقّعت على الميثاق والمذكرة قوى مدنية، في مقدمتها منسقية النازحين واللاجئين، إضافة إلى هيئة محامي دارفور، وتحالف القوى المدنية لشرق السودان، وتنسيقية المهنيين والنقابات، إلى جانب شخصيات، تقدمهم رئيس الوزراء الأسبق عبد الله حمدوك، والكاتب الصحفي الحاج وراق.

 

الوطني يتجاهل

وفي أول رد فعل على اتفاق نيروبي والدعوات لتصنيف المؤتمر الوطني والحركة الاسلامية كواجهات ارهابية، قلل الأمين السياسي للمؤتمر الوطني النعمان عبد الحليم من الخطوة. وقال في مقابلة مع الجزيرة مباشر، نحن لا نعير هؤلاء أي اهتمام. مشدداً على انهم يقفون في المكان الصحيح بمساندة القوات المسلحة في مواجهة انتهاكات الدعم السريع، بينما يساند الموقعون على المذكرة تلك القوات مشيرا الى أن مواقفهم مدفوعة الثمن وتحركها دولة الامارات.

 

خلط متعمد للأدوار

ويرى الأستاذ الصحفي عبدالعظيم صالح أن ما تطرحه هذه القوى تحت شعار “مناهضة الحرب” لا يعدو كونه غطاءً سياسيًا لمحاولة ضرب تماسك الدولة في لحظة وجودية فارقة. ويؤكد صالح في حديثه لصحيفة ألوان أن الوثيقتين تعكسان انفصالًا كاملًا عن واقع الميدان، وتتجاهلان عمدًا أن الحرب فُرضت على السودان بتمرد مسلح، لا بخيارات الدولة. ويضيف أن أخطر ما في هذا الخطاب هو مساواته المتعمدة بين الجيش الوطني، الذي يخوض معركة الكرامة والدفاع عن وحدة البلاد، وبين قوى الفوضى، بما يفتح الباب لإعادة إنتاج الوصاية الخارجية وتمرير أجندات ثبت فشلها. ويختم بالقول إن المعركة اليوم ليست معركة شعارات، بل معركة وجود، وأي خطاب يميع هذه الحقيقة يخدم خصوم السودان بلا مواربة.

 

تبييض التمرد

 

من جانبه، يذهب الأكاديمي والمحلل السياسي د. حسن الشايب إلى أن ما يُطرح ليس مشروع سلام، بل محاولة خطيرة لإعادة تعريف الصراع بما يفرغه من جذوره الحقيقية. ويؤكد الشايب في تصريح لصحيفة ألوان أن الوثيقتين تعكسان نزعة انتهازية تستثمر في معاناة الشعب لتسويق خطاب يساوي بين المؤسسة العسكرية الوطنية والتمرد المسلح، وهو طرح مرفوض أخلاقيًا وسياسيًا. ويرى أن هذا النهج لا يقود إلى سلام، بل يفتح ثغرات واسعة للتدخل الخارجي ويضرب وحدة الجبهة الداخلية، مشددًا على أن السلام الحقيقي يبدأ بحسم التمرد، لا بإعادة تدويره لغويًا تحت لافتات براقة.

إرادة السودانيين

في المحصلة، لا يمكن قراءة هذه الوثائق بمعزل عن سياق الحرب ومحاولات كسر إرادة الدولة من الداخل بعد الفشل في كسرها في الميدان. فالتاريخ السوداني القريب علّمنا أن أخطر ما يواجه الأوطان ليس فقط السلاح المرفوع في وجهها، بل الأقلام التي تبرر الفوضى وتمنحها غطاءً سياسيًا. إن معركة السودان اليوم واضحة المعالم: دولة في مواجهة تمرد، وجيش يقاتل من أجل بقاء الوطن، وأي محاولة لخلط هذه الحقائق أو تمييعها ليست دعوة للسلام، بل مشاركة غير مباشرة في إطالة أمد الحرب. وفي زمن الاصطفاف الوطني، لن يغفر الشعب لمن اختار الوقوف في المنطقة الرمادية بينما الوطن يُستهدف في وجوده ومستقبله.