صلاح دندراوي يكتب: الاستقلال .. ذكرى تتجدد

نقطة ضوء

 

صلاح دندراوي

 

الاستقلال .. ذكرى تتجدد

 

 

عامان ونيف انقضيا، عاشت فيهما البلاد بعضاً من عدم الاستقرار والطمأنينة، بفعل تجاسر من عمل على تعكير صفو ما كان يعيشه أهل السودان، بإعمال السلاح، وإشاعة الموت والتشريد والدمار والانتهاكات المتعددة، ليتحوّل هذا الواقع الكامن في الهدوء إلى حالة ذعر ونزوح، وفقدٍ للطمأنينة، وفقدِ أنفسٍ غالية، بعد أن بددت المليشيا ومن شايعها هذا الواقع الذي كان يعيشه أهل السودان.

ولكن إرادة الله الغلابة أبت إلا أن تبدد هذه الأحلام التي زيّنها الشيطان لهؤلاء، بأن يلتهموا بلداً بأناسه وممتلكاتهم وبحضارتهم وقيمهم، فباءت أحلامهم، وجعلت أوهاماً تذروها الرياح.

بل قد تكون نشطت في أهل السودان كثير من القيم والخصال التي توارت تحت إيقاع الحياة المتسارع، فوجدت فرصتها إزاء تلك الظروف التي أحدثتها الحرب، على رأسها تلك الروح الوثابة التي حرّكت في دواخل أهل السودان حمية الدفاع عن الوطن، فتسارع الشباب نحو ساحات التدريب، وتقدموا الصفوف في تلاحم نادر مع قواتهم المسلحة، ذوداً عن حياض الوطن، لتعود كثير من المدن التي سقطت في يد العدو معززة مكرمة، فضلاً عن كثير من القيم التي نهضت مع تلك الظروف، منها إيقاظ فضيلة التراحم والتكافل، وكيف أن التكايا والمعسكرات تمددت بالقرى الآمنة، وهي تحتضن هؤلاء الفارين من جحيم الحرب، تقدم لهم الزاد والأمان، لتتجلى أبهى صور التكافل والتراحم التي عُرف بها أهل السودان، ويتجسد فيهم قول شاعرهم:

يبدوا الغير على ذاتهم

يقسموا اللقمة بيناتهم

حتى إكان مصيرهم جوع

فضلاً عن حالة اليقظة التي انتابت الجميع في كيف التعامل مع القضايا القومية، وتحريك لوائح الوطنية فينا.

إن الاستقلال الذي تطل علينا ذكراه هذه الأيام يجيئنا مضمخاً بكثير من صور الماضي التليد، الذي وقف فيه آباؤنا الأوائل يذودون عن هذا الوطن في مواجهة المستعمر، وكيف استطاعوا أن يقهروه رغم فارق آليات المواجهة، ولكن ما يربض في الدواخل من غيرة وعزيمة استطاعت أن تتغلب على ما عند هؤلاء من قوة مادية، ليتغنوا بملء فاههم:

اليوم نرفع راية استقلالنا

ويسطر التاريخ مولد شعبنا

وها هي تعود ذكرى الاستقلال بذات الإيقاع وذات الروح الوثابة التي تعتمل في جوانح أهل السودان، لتتجدد تلك الذكرى مع تكرار ذات المشهد على إيقاع مستعمرين جدد، لنواجههم بذات العزيمة، ولسان حالنا يقتبس من ذاك النظم لنردد:

غيب وتعال

تلقانا نحن يانا نحنا

لا غيرتنا الظروف

ولا هزتنا محنة