
صلاح دندراوي يكتب: حظر استيراد السلع .. القرار الصحيح في الزمن الخطأ
نقطة ضوء
صلاح دندراوي
حظر استيراد السلع .. القرار الصحيح في الزمن الخطأ
جاء في الأنباء أن رئيس مجلس الوزراء د. كامل إدريس، قد أصدر قرارًا بحظر استيراد عشرات السلع الأساسية والكمالية، ضمن إجراءات عاجلة تستهدف كبح تدهور سعر صرف الجنيه السوداني وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
وبحق أنه في مجمله قرار حكيم، وقد يكون جاء والسودان ينفض عن كاهله وعثاء تلك الحرب التي شردت الأسر، وأزهقت النفس، وأهلكت الزرع والضرع، ودمرت البنى التحتية لهذا الوطن، وأفقرت الميزانيات.
وهو قرار حكيم يتواكب مع متطلبات المرحلة في العمل على تعافي الاقتصاد، وتشجيع الناتج المحلي، وتحفيز المواطن السوداني على الإنتاج، فضلًا عن تخفيف الضغط على طلب العملة الصعبة التي أودت بعملتنا المحلية إلى مهاوٍ سحيقة. فالقرار يعمل على تقليل الضغط على النقد الأجنبي، وتشجيع الإنتاج المحلي، والحد من الاستيراد العشوائي، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد.
وعلى حد تحليل بعض الاقتصاديين، فإن هذه الإجراءات قد تسهم في تحسين الميزان التجاري، رغم التخوف من أن تؤدي في المقابل إلى ارتفاع أسعار بعض السلع في السوق المحلي.
ولكن هل هذا ممكن في خضم الظروف التي يعيشها السودان الآن، وما أفرزته الحرب من تعطل ماكينة الإنتاج، وتخريب البنى التحتية، وتعطيل المشاريع الجارية، وتدمير المصانع والشركات، ونهب الأموال الذي تم، ورحيل معظم رأس المال المتبقي لدى التجار وأصحاب المصانع والشركات؟.
وهذا ما يشكل تحديًا أمام متخذي القرار في وضع التدابير التي تحول دون شح العرض وارتفاع الأسعار، وهذا لا يتأتى إلا بزيادة الإنتاج، والذي لا يتأتى إلا بتقوية البنية التحتية التي تساعد على هذا الإنتاج، وعمل الضوابط الإدارية والاقتصادية اللازمة.
إن المتأمل في هذه السلع التي تم حظر استيرادها يجد معظمها كمالية، ومقدورًا عليها أن يتم تصنيعها في السودان، سواء الألبان، أو اللحوم، أو البسكويت، أو الأسماك، أو الحلويات، والشكولاتة، ومصنوعات الجلود والبلاستيك، والخضروات والفواكه، والشعيرية والشيبس، وغيرها من محظورات، فهي سهل علينا في السودان تصنيعها، لا سيما والسودان يمتلك معظم هذا الخام الذي تُصنع منه تلك السلع. وإن كان من الممكن استثناء بعض السلع التي لا تتوافر عندنا كالأرز، والفول المصري، وبعض مستلزمات البناء، والأثاث.
إن واحدة من علل السودان أنه لم يجد من يفكر في تسخير إمكانات هذا البلد المعطاء وتحويل ذاك الخام من منتجات إلى تصنيع، فجعلنا نصدر الماشية الحية، والجلود، والكركدي، والصمغ والقطن، والفواكه وغيرها، نصدرها خامًا بأرخص الأسعار لتعود إلينا مصنعة وبأسعار مضاعفة.
إن تلك القرارات الصادرة من رئيس مجلس الوزراء لكي تجد حظها من النجاح، أن تتبعها إجراءات مشجعة لتحريك عجلات المصانع والإنتاج لتعويض هذا النقص الذي يمكن أن ينجم من حظر تلك السلع، وعلى رأس تلك المتطلبات عماد هذا التصنيع وهو الكهرباء، والتي تمثل العنصر الحي لتدوير تلك المصانع، فبدون توفير تلك الكهرباء فكأنما نحرث في البحر، ولن نجني شيئًا من قراراتنا تلك.
كما أنه يجب تشجيع الإنتاج بتخفيف الجمارك على القادم من ماكينات ومعدات تصنيع، وتخفيف الرسوم والضرائب على السلع، وتوفير التسويق بفتح العشرات من مراكز البيع وغيرها من المشجعات حتى تؤتي تلك القرارات أكلها.
إن القرارات التي صدرت لا يمكن أن تثمر عن نتائج إلا إذا حظيت بالمتابعة لتذليل كل الصعاب التي يمكن أن تعيق تنفيذها، وإتاحة البديل الذي يقدر على سد تلك الفجوة التي يمكن أن يحدثها حظر بعض تلك السلع.
وأخيرًا نقول يمكن أن يسهم هذا القرار في تقليل الطلب على العملات الأجنبية، وتعزيز الإنتاج المحلي، إلا أنه قد يؤدي في المقابل إلى فجوة تتعلق بتوفر بعض السلع، بجانب ما يمكن أن تفرزه من ارتفاع الأسعار على المدى القريب. وعليه، هل يمكن أن نقول إن القرار صحيح، ولكنه جاء في الزمن الخطأ؟.