حسين خوجلي يكتب: يوم أراك به فلست أصومه
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
يوم أراك به فلست أصومه
من باب ما قل ودل
الإخوة أئمة المساجد قبل أن تبدأوا حدقوا في وجوه المصلين، فإن وجدتم أن المسغبة بائنة وأن الشفاه متخشبة وأن كهرباء المسجد (مقطوعة) وأن نسائم المستحيل ممنوعة وأن العَرَق أصبح بائناً أكثر من ماء الوضوء فاجعلوا الخطبة الأولى على قدر هذه الكلمات والموعظة (أيها المسلمون إن هذه الفانية أحلام أو أضغاث أحلام فوصال الحب وعطاء الثروة والسعادة العجلى والأمجاد التي تُبنى على الصيت والتنعم فكل هذه المعطيات التي يلهث وراءها الملايين لا تبقى ولا تخلد، فعليكم بتقوى الله وأجعلوا هذه الفانية معبراً إلى دار الخلود.
قال تعالى:{وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}
قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
إنترفيو
كان الشيخ العالم إذا جلس في لجنة اختيار وظيفتها أن يعلو صاحبها على المسلمين خيراً، إن كان صاحب خير وشراً إذا كان صاحب شر يمتحنه في منظومة القيم قبل تقليب الشهادات وبعثرها وفحصها وكان دائماً ما يسأل طالب الوظيفة في دينه وعقيدته وارتباطها والتزامها بالحياة، فإن كانت إجابته مقاربة لمفهوم الرجل الذي كان يمنحه لتلاميذه قائلاً:
(المسلم من علم أن الإسلام لا يشبه الأديان ولا يقاس عليها، لأنه دين وشريعة وسياسة وأخلاق).
رحم الله الشيخ الطنطاوي فإذا كانت إجابة متقدم الطلب تقترب من هذه الفكرة وطابقة شهاداته المطلوب، ارتضى له الوظيفة وإن رآه مخالفاً قال له بلطف: ابحث لك عن مهنة أخرى يابني حتى لا تعلق بك آثامك وآثام المسلمين.
إضافة حقيقية
من لطائف السودانيين أنهم يحكون عن صاحب دكان حارة طيب يحتمل الجميع، صحيح أنه لم يعلن (إفلاسه) لكنه كان يربح على الكفاف. كان بجوار دكانه رجلٌ قابض ولئيم وصحاب صوت لا يجارى في الصراخ/ ملأ كراسة كاملة (بالجرورة) ولم يدفع لأشهر متطاولة وله شقيق بالمملكة العربية السعودية أرسل له العام المنصرم كل تكاليف الحج المبرور والعمرة المقبولة وعندما عاد (قَدَلَ) في الحارة مزهواً بثوب جديد وحذاء لامع وعطر اخترق كل الخياشيم وساعة سيكو جَمَّلت يده المعروقة، كان أول مشاويره المقدسة صوب الدكان المهيض الجناح، وعندما أطل بدر التمام تهلل وجه بابكر التاجر الطيب وصاح بصوت خاشع يضوع منه الرجاء: الله أكبر الله أكبر الله أكبر (لقد جاء نصر الله والفتح) وانحلت العقدة وجاء الرجل بالهدايا وتسديد الحساب كاملاً ويمكننا أن نطلب منه ديناً فإن أساريره تؤكد أن الله فتح عليه في تلك الديار الطيبة. عانقه ورحب به وفتح له زجاجة عصير بارده لها ملمس وعطر وندى، وكانت المفاجأة العظيمة أن طالبه بدفتر (الجرورة) فتعالى صوت بابكر مهللاً مكبراً للمرة الثانية: الله أكبر الله أكبر الله أكبر جاء الفرج وتحللت العقدة وأغلقت المديونية.
طلب منه قلماً جديداً عامر الحبر شديد الوضوح وخط لا تخطئه العين كانت الصفحة الأولى يتصدرها الإسم الموعود البلولة الحسن، إعتقد التاجر المسكين أن العائد الطاهر سوف يقوم بشطب المديونية خاصة بعد أن أصبح يحرك يده اليمنى صوب جيب الجلباب النضير بنية الدفع ولكن كانت خيبة أمله كبيرة حين أضاف الرجل اللئيم أمام اسمه لقبه الجديد (الحاج البلولة) الحسن ورمى بالكراسة في صَلَف ومضى لا يلوي على شئ.
عزيزي القارئ أما بقية القصة وآخر مصاب التاجر الطيب بابكر وما ناله من مصاب وكرب وغيبوبة فنترك لك المجال لإرسال الخيال وتوقع العاقبة.
النصيحة قبل المصاريف
عندما ودع الأب ابنه وقَفَل راجعاً والابن يخطو خطواته الأولى بمدرسة حنتوب الثانوية حين كانت إحدى أيقونات التعليم في بلادنا، أعلم يا بني أنه في هذه المدرسة يلقنونك ويعلمونك ويدرسونك ثم يختبرونك لكن اعلم أن الحياة تختبرك أولاً ثم تعطيك الدرس.
قال الإبن: ومنذ ذلك اليوم كنت أتلقى دروسي من المدرسة ودروسي من الحياة وكان تأمل هذه النصيحة الأبوية الغالية سر نجاحي.
الفاتك أسرع فوته
كان أستاذنا بالمدارس الإبتدائية في أسئلة الحساب السريعة التي تنبه العقل وتُنمي موهبة البديهة نتصايح حين يمضي عنا السؤال: قلت شنو يا أفندي؟ فيرد علينا ضاحكاً وهو يطلق السؤال الذي بعده: انت يا ولدي ما سمعت بالمثل البقول: (الفاتك أسرع فوته؟).
روشتة
من القيم التي لا يدركها الكثير من الناس وهي من الروشتات التي تشفي علل النفس وتطفئ الإحن والحسد وشُح النفس، فضيلة التغاضي والتغافل عن أخطاء الآخرين من الأقارب أو الأباعد فلا تكن من الذين ينبشون ويبحثون ويفتشون عن خطايا الآخرين وكأنهم يبحثون عن جواهر وكنوز تحت التراب. اعلموا أن التغاضي والتغافل عن هفوات وأخطاء الآخرين هي من أعظم وأرفع وأرقى شيم المكارم والكِرام.
الحفظ إكمال للحب والمعرفة
كان خالنا العالم الراحل مصطفى طه شقيق الوالدة شديد الحب لصحابة رسول الله، وكان لسانه لا ينقطع عن ذكر الله ورسوله والخلفاء الأربعة ويزيد عليهم الستة ليكمل العشرة المبشرين بالجنة. وكان يقول إن الذي لا يقرأ القرآن ولا يذكر ربه تذللا وخشوعاً ويذكر رسوله حُباً واقتداء وصحابته تمثلاً وذكرى (الترابة دي في خشمو). وقد كان يكمل صبابته هذه بذلك التاريخ المجيد بأبيات الإمام الشافعي الشهيرة:
شَهِدتُ بِأَنَّ اللَهَ لا رَبَّ غَيرَهُ
وَأَشهَدُ أَنَّ البَعثَ حَقٌّ وَأَخلَصُ
وَأَنَّ عُرى الإيمانِ قَولٌ مُبَيَّنٌ
وَفِعلٌ زَكِيٌّ قَد يَزيدُ وَينقُصُ
وَإِنَّ أَبا بَكرٍ خَليفَةُ رَبِّهِ
وَكانَ أَبو حَفصٍ عَلى الخَيرِ يَحرِصُ
وَأَشهَدُ رَبّي أَنَّ عُثمانَ فاضِلٌ
وَأَنَّ عَلِيّاً فَضلُهُ مُتَخَصِّصُ
أَئِمَّةُ قَومٍ يُهتَدى بِهُداهُم
لَحى اللَهُ مَن إِيّاهُمُ يَتَنَقَّصُ
فما لغواةٍ يشتمون سفاهةً
وما لسفيهٍ لا يُجاب فيخرصُ
تُرى هل نجدها عند ابنه الحارث؟
طلب مني مرة الأخ الصديق الراحل الفنان المتصوف ود البلد حمد الريح أرجوزة صوفية يتسلى بها بعد وحشة الغناء فأهديته أبيات الصرصري الشهيرة:
يوم أراك به فلست أصومه
فالعيد عندي ثابت تحريمه
ودجى أماط لنا ثياب ظلامه
بصباح وصل منك كيف أقومه
لكن أرى فضلا علي معينا
نظري إليك مع الزمان أديمه
حتى أروي من جمالك غلتي
وتزول أثقال الهوى وهمومه
فبنور وجهك ينجلي عني صدا
قلبي ويحيا باللقاء رميمه
من لي بوصلك إن وصلك جنتي
ودوام هجرك للفؤاد جحيمه
عالجت فيك من الغرام أمره
وصبرت حتى قيل ليسر يرومه
وكتمت حتى غال حبك مهجتي
واشتد شيئا في الهوى مكتومه
وسترت حتى نم دمعي بالهى
وأبر دمع العاشقين نمومه
فاعطف على قلب ملكت زمامه
أنت الشقاء له وأنت نعيمه
فأجبته إني لصب شيق
بخفي وجد والغرام غريمه
ناديته إن رمت نورا مشرقا
تهديك إن حال الدليل نجومه
ومقيل أمن واسعا رحبا فلذ
بجناب من نفق الضلال علومه
ماحي الضلال الشاهد المتوكل ال
ضحاك أسنا من تغث كلومه
كنز الفضائل منزل التقوى الذي
هو في المعاد إمامه وزعيمه
جمعت له غرر النهى وتجددت
بهداه للدين الحنيف رسومه
وثوى بتربة أرضه لما ثوى
فيها الفخار خصوصه وعمومه
باب الهدى حصن النجاة محمد
طابت مناسبه وطاب أديمه
