حسين خوجلي يكتب: استراحة السبت
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
استراحة السبت
الدينار الذي ولد ألف دينار
ولأن السودانيين يعيشون في حالة ترحال ونزوح وهجرة قسرية، فإنهم عندما يلتقون في الصحارى أو الأقطار المتهيبات خطاهم والمدن الغريبة، فإنهم يتآنسون بأخبارالكِرام. ومن لطيف ما يتداوله الأدباء منهم حكاية ابن عبيدالله مع جاره وديناره الوحيد الذي أصبح راتباً يكفي الزوجة والأبناء لسنوات.
يحكي أن رجلاً كان جاراً لابن عبيد الله، فأصاب الناس قحط بالعراق حتى رحل أكثر الناس عنه، فعزم جار ابن عبيد الله على الخروج من البلاد في طلب المعيشة، وكانت له زوجة لا تقدر على السفر، فلما رأت زوجها تهيأ للسفر قالت له: إذا سافرت من الذي ينفق علينا؟.
قال: إن لي على ابن عبيد الله دينار ومعي به أشهاد عليه شرعي، فخذي الأشهاد وقدميه إليه، فإذا قرأه أنفق عليك مما عنده حتى أحضر، ثم ناولها رقعة كتب فيها هذه الأبيات يقول:
قالت وقد رأت الأحمال محدجة
والبين قد جمّع المشكوّ والشاكي
من لي إذا غبت في ذا المحل قلت لها
الله وابن عبيد الله مولاك
فمضت إليه المرأة وحكت له ما قال زوجها، وأخبرته بسفره، وناولته الرقعة، فقرأها، وقال: صدق زوجك، وما زال ينفق عليها ويواصلها بالبر والإحسان إلى أن قدم زوجها فشكره على فضله وإحسانه.
من نفثات القلوب
وفي لحظات الفقر والشُح ونُدرة الموارد مثل حال النكبة التي يعيشها أهل السودان بعد سرقة الأوغاد الكبرى للمرتخص والنفيس، فإن أصدق المأثور الذي ينطلق من أعماق أعماق أعماقهم {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}
ففي تفسير الآية قيل: أن في ذلك تأكيد للوعد الإلهي وتطمين القلوب.
ومن كلام الحكماء: إن تيقنت لم يبق هم.
وقال أبو حاتم:
إذا اشتملت على البؤس القلوب
وضاق بما به الصدر الرحيب
وأوطنت المكاره واطمأنت
وأرست في مكامنها الخطوب
ولم نر لانكشاف الضرّ وجها
ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوث
يمن به اللطيف المستجيب
يذهب الرجال ويبقى المقال
يقول والعالم الجليل ووزير الأوقاف الأسبق الدكتور أحمد حسن الباقوري في كتابه (أثر القرآن الكريم في اللغة العربية)
والقرآن الكريم فضلاً عن أنه نقل العرب من جفاء البادية وخشونتها إلى لين الحضارة، وتوخوا العذوبة في ألفاظهم، فقد تخير لألفاظه أجمل ما تخف به نطقاً في الألسن وقرعاً للأسماع، حتى كأنها الماء سلاسة والنسيم رقة والعسل حلاوة.
وهو بعد بالمكان الأسمى الذي أدهشهم وحير ألبابهم وأفهمهم أن البلاغة شئ وراء التنقيب والتقعير ونخير ما يكد الألسن ويرهقها من الألفاظ، فعكفوا يتدبرونه وجروا يستمعونه حتى من بقى منهم على ضلالته لم يستطع أن يخدع نفسه، فكان يذهب في غفلة من قومه في جنح الظلام يستمع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يردده ويتهجد به وحتى أشفقوا أن يفتن نساءهم وبنَيّهم فطلبوا من أبي بكر رضوان الله عليه أن يكف عن ترتيله بصوت مسموع.
حاشية:
الشيخ الباقوري أحد علماء مصر المعدودين وكان يجيد الكتابة والخطابة ويُعد من قيادات الإخوان المصريين المسلمين الذين أيدوا ثورة يوليو 23 يوليو 1952 وقد عينته في أول عهدها وزيراً للأوقاف، إلا أن الجماعة قد فصلته من عضويتها واعتبرت أن اختياره كان بقرار شخصي وليس قراراً تنظيمياً .
والغريب أنه قد حدثت بينه وبين عبدالناصر جفوة فلم يلتقيا حتى رحلا إلى دار البقاء وبقيت كتاباته ومؤلفاته من أزهى ما كُتِب في علاقة القرآن باللغة.
وبالمناسبة قد زار الشيخ الباقوري السودان وقد أقام محاضرات في كثير من المدن السودانية وأصقاع البلاد القريبة والبعيدة في الخمسينيات.
وكان الثقات يوصون بهذا التفسير
الإمام البغوي هو الحسين بن مسعود بن محمد الفراء البغوي، ويكنى بأبي محمد، وهو أحد كبار أئمة وعلماء أهل السنة والجماعة، الملقب بـ (محيي السنة) و(ركن الدين) تميز بكونه إماماً حافظاً ومفسراً وفقيهاً ومجتهد، ويُعد من كبار علماء المذهب الشافعي ، ومن أبرز مؤلفاته رحمه الله: (شرح السنة،مصابيح السنة ،التهذيب ، ومعالم التنزيل) ومعالم التنزيل أحد أشهر كتب التفسير بالمأثور، امتدحه العلماء لخلوه من البدع والروايات الواهية . وهو من التفاسير المعدودة عند أهل العلم في السودان تفسير ابن كثير، الكشاف و الجلالين. ومن المحدَثِين تفسير في ظلال القرآن لسيد قطب والشعراوي والطاهر عاشور. ولتفسير الشيخ البغوي مكانه خاصة عند الكثيرين ومن لطائف مقاطعه في التفسير في سورة مريم في قول الله تعالى في حق سيدنا يحي عليه السلام {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}
يقول البغوي في تفسيره: قال ابن عباس رضي الله عنهما أي النبوة وهو ابن ثلاث سنين وقيل: أراد بالحكم فهم الكتاب فقرأ التوراة وهو صغير.
وعن بعض السلف: من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فهو ممن أوتي الحكم صبيا.
عليكم بفجر الإسلام
وكان الثقات من المعلمين يوصون طلابهم بقراءات شتى في الأديان والأدب والتراث ومن الكتب المعدودات التي كانوا يوصون بها كتاب (فجر اللاسلام) للمفكر والمؤرخ والكاتب المحقق أحمد أمين وعائلة أمين كلها لها إضافة في الفكر والثقافة المصرية بل في الفكر والثقافة العربية. وقد استوقفتي مقولته في كتابه (فجر الإسلام):
كان للإسلام أثران كبيران في عقلية العرب من ناحيتين مختلفتين:
الأولى: ناحية مباشرة: وهي تعاليمه التي أتى بها مخالفاً عقائد العرب.
الثانية: ناحية غير مباشرة: وهي أن الإسلام مكّن العرب من فتح فارس ومستعمرات الروم، وهما أمتان عظيمتان تحملان أرقى مدنية في ذلك العهد، فكان من أثر الفتح وضع البلاد وما فيها من نظم وعلم وفلسفة تحت أعين العرب، فتسرّبت مدنيتهما إلى المسلمين، وتأثرت بهما عقليتهم.
فتوى لصالح الدراما
ومن الإجابات العامرة بالظُرف والعقلانية والمحبة سؤال العامة لإبراهيم النَّخَعي رحمه الله: هل كان أصحابُ النبي صلي الله عليه وسلم يضحكون؟ قال: نعم، والإيمان في قلوبهم مثل الجبال الرواسي.
بردة البوصري متعة وبصيرة
كان البروفسير الشاعر والعالم والفقيه الحبر يوسف نور الدائم يقول لتلاميذه:
إن يممتم الحفظ فعليكم بالقرآن وأحاديث الأحكام في البخاري ومُسلم مع الاستدلالات المحفوظة من السيرة والاستدراكات في المذاهب الأربعة، فإن وجدتم بعدهم زمناً فعليكم ببردة البوصيري وإن أفاض عليكم الدهر فعززوها بنهج البردة لشوقي، ولا ضيرأن ترجعوا للبردة الأم لكعب بن زهير ولا بأس أن تحفظوا ديوان المتنبي وكان يقول ضاحكاً: (ومن كرامات المتنبي أنه لم ينل الشرف بمدح المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى لا يفسد على الشعراء محاولاتهم اللآحقة)
يقول البوصيري:
مُحَمَّدٌ سَيِّدُّ الْكَوْنَيْنِ وَالثَّقَلَيْنِ
وَالْفَرِيقَيْنِ مِنْ عُرْبٍ وَمِنْ عَجَمِ
نَبِيُّنَا الْآمِرُ النَّاهِي فَلَا أَحَدٌ
أَبَرَّ فِي قَوْلِ لا ِمنْهُ وَلَا نَعَمِ
هُوَ الْحَبِيبُ الَّذِي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ
لِكُلِّ هَوْلٍ مِنَ الْأَهْوَالِ مُقْتَحَمِ
دَعَا إِلَى اللهِ فَالْمُسْتَمْسِكُونَ بِهِ
مُسْتَمْسِكُونَ بِحَبْلٍ غَيْرِ مُنْفَصِمِ
فَاقَ النَّبِيِّينَ فِي خَلْقٍ وَفِي خُلُقٍ
وَلَمْ يُدَانُوهُ فِي عِلْمٍ وَلَا كَرَمِ
وَكُلُّهُمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ مُلْتَمِسٌ
غَرْفًا مِنَ الْبَحْرِ أَوْ رَشْفًا مِنَ الدِّيَمِ
دَعْ مَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى فِي نَبِيِّهِمِ
وَاحْكُمْ بِمَا شِئْتَ مَدْحًا فِيهِ وَاحْتَكِمِ
وَانْسُبْ إِلَى ذَاتِهِ مَا شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ
وَانْسُبْ إِلَى قَدْرِهِ مَا شِئْتَ مِنْ عِظَمِ
فَإِنَّ فَضْلَ رَسُولِ اللهِ لَيْسَ لَهُ
حَدٌّ فَيُعْرِبَ عَنْهُ نَاطِقٌ بِفَمِ
أَعْيَا الْوَرَى فَهْمُ مَعْنَاهُ فَلَيْسَ يُرَى
فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ فِيهِ غَيْرُ مُنْفَحِمِ
كَالشَّمْسِ تَظْهَرُ لِلْعَيْنَيْنِ مِنْ بُعُدٍ
صَغِيرَةً وَتُكِلُّ الطَّرْفَ مِنْ أَمَمِ
فَمَبْلَغُ الْعِلْمِ فِيهِ أَنَّهُ بَشَرٌ
وَأَنَّهُ خَيْرُ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِمِ
وَكُلُّ آيٍ أَتَى الرُّسْلُ الْكِرَامُ بِهَا
فَإِنَّمَا اتَّصَلَتْ مِنْ نُورِهِ بِهِمِ
فَإِنَّهُ شَمْسُ فَضْلٍ هُمْ كَوَاكِبُهَا
يُظْهِرْنَ أَنْوَارَهَا لِلنَّاسِ فِي الظُّلَمِ
أَكْرِمْ بِخَلْقِ نَبِيٍّ زَانَهُ خُلُقٌ
بِالْحُسْنِ مُشْتَمِلٍ بِالْبِشْرِ مُتَّسِمِ
كَالزَّهْرِ فِي تَرَفٍ وَالْبَدْرِ فِي شَرَفٍ
وَالْبَحْرِ فِي كَرَمٍ وَالدَّهْرِ فِي هِمَمِ
كَأَنَّهُ وَهْوَ فَرْدٌ مِنْ جَلَالَتِهِ
فِي عَسْكَرٍ حِينَ تَلْقَاهُ وَفِي حَشَمِ
كَأَنَّمَا اللُّؤْلُؤُ الْمَكْنُونُ فِي صَدَفٍ
مِنْ مَعْدِنَيْ مَنْطِقٍ مِنْهُ وَمُبْتَسَمِ
لَا طِيبَ يَعْدِلُ تُرْبًا ضَمَّ أَعْظُمَهُ
طُوبَى لِمُنْتَشِقٍ مِنْهُ وَمُلْتَئِمِ
