
د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: السودان أمام فرصة القرن
مسارات
د. نجلاء حسين المكابرابي
السودان أمام فرصة القرن
في تاريخ الشعوب لحظات فارقة قد لا تحدد مصير جيل واحد فحسب، لكنها ترسم ملامح المستقبل لعقود عديدة. والسودان اليوم يقف عند واحدة من تلك اللحظات الاستثنائية؛ فبين تحديات الحرب وتداعياتها الإنسانية والاقتصادية، وبين الآمال المعلقة على إعادة البناء، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن للسودان أن يؤسس لنهضة شاملة تعيد إليه مكانته التي يستحقها؟
لقد ظل الحديث عن النهضة السودانية يتكرر عبر عقود طويلة، غير أن الواقع ظل أقل من مستوى الطموحات. فالسودان ليس بلداً فقيراً بالموارد أو محدود الإمكانات، هو يعد من أكثر الدول امتلاكاً لعناصر القوة الطبيعية والبشرية. فهو يملك أراضي زراعية واسعة، وثروات معدنية واعدة، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، فضلاً عن رصيد بشري وثقافي يمثل أحد أهم عوامل البناء والتنمية.
غير أن النهضة لا تقوم على الموارد وحدها، وإنما على حسن إدارتها وتوظيفها في إطار رؤية وطنية واضحة. وهنا تكمن التحديات الحقيقية التي واجهت السودان لعقود، حيث تداخلت الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية بصورة أعاقت الاستفادة المثلى من هذه الإمكانات الكبيرة.
إن أولى خطوات النهضة تبدأ من ترسيخ الاستقرار. فالتنمية لا تزدهر في بيئة مضطربة، والاستثمار لا يتدفق إلى مناطق يسودها عدم اليقين. لذلك فإن أي مشروع وطني للنهضة لا بد أن ينطلق من بناء السلام وتعزيز التماسك الاجتماعي وإعلاء قيمة المواطنة فوق الانتماءات الضيقة.
كما أن النهضة الحقيقية تتطلب الانتقال من عقلية إدارة الأزمات إلى عقلية صناعة المستقبل. فبدلاً من الانشغال بردود الأفعال والمعالجات المؤقتة، يصبح من الضروري وضع خطط استراتيجية طويلة المدى تستهدف تحديث الاقتصاد، وتطوير البنية التحتية، وتحفيز الإنتاج، وتعزيز دور القطاع الخاص، وفتح المجال أمام المبادرات الشبابية والابتكار.
وفي هذا السياق، يظل التعليم هو الاستثمار الأهم. فالأمم التي صنعت نهضتها لم تبدأ بالمباني الضخمة ولا بالمشروعات العملاقة، وإنما بدأت ببناء الإنسان. فالعقل المتعلم هو القادر على تحويل الموارد إلى ثروة، والأفكار إلى مشاريع، والتحديات إلى فرص.
ومن أهم الدروس التي تقدمها تجارب الدول الناهضة أن التنمية ليست مسؤولية الحكومات وحدها، هي مشروع مجتمعي تشارك فيه المؤسسات التعليمية والاقتصادية والثقافية والإعلامية، ويساهم فيه المواطن بقدر مساهمة الدولة. فالشعور بالمسؤولية الجماعية هو الوقود الحقيقي لأي نهضة مستدامة.
كما أن السودان يمتلك ميزة إضافية تتمثل في كفاءاته المنتشرة داخل البلاد وخارجها. فآلاف الخبراء والأكاديميين والمهنيين السودانيين يمثلون ثروة معرفية هائلة يمكن أن تسهم في إعادة البناء ونقل الخبرات العالمية إلى الداخل إذا ما توفرت البيئة المناسبة للاستفادة من طاقاتهم.
ورغم المشهد الصعب الذي يعيشه السودان اليوم، فإن التاريخ يعلمنا أن كثيراً من الأمم العظيمة خرجت من رحم الأزمات أكثر قوة وقدرة على النهوض. فالحروب، على قسوتها، قد تدفع الشعوب إلى إعادة ترتيب أولوياتها واكتشاف مكامن قوتها والانطلاق نحو مرحلة جديدة من البناء.
إن السودان لا يحتاج إلى إعادة إعمار ما دمرته الحرب، لكنه يحتاج حرفيا إلى إعادة بناء منظومة التفكير في التنمية والإدارة والحكم. فالتحدي الأكبر ليس ترميم الجدران، وإنما بناء المؤسسات، وإطلاق الطاقات، وترسيخ ثقافة العمل والإنتاج والشفافية.
ويبقى الأمل قائماً بأن تتحول هذه المرحلة الصعبة إلى نقطة انطلاق نحو مشروع نهضوي وطني جامع، يضع السودان على طريق الاستقرار والتنمية والازدهار. فالأوطان العظيمة لا تقاس بحجم ما واجهته من أزمات، وإنما بقدرتها على تجاوزها وصناعة مستقبل أفضل لأبنائها.
والسودان، رغم الجراح، لا يزال يمتلك كل المقومات التي تؤهله لأن يكون قصة نجاح أفريقية وعربية ملهمة، متى ما توفرت الإرادة والرؤية والعمل المشترك.