كيف فازت فرنسا على العراق بثلاثية؟

وكالات: ألوان

قبل مباراة فرنسا والعراق في كأس العالم في عام 2026 التي انتهت بفوز المنتخب الفرنسي بثلاثة أهداف دون رد، ظهرت نوايا مدربي المنتخبين ديدييه ديشان وغراهام أرنولد بشكل واضح، حيث دخل المدرب ديدييه ديشان كما ظهر في الأيام الأخيرة باحترام كبير للمنتخب العراقي وعناصره، بينما بدا واضحا أن غراهام أرنولد دخل مواجهة فرنسا بعقلية تقليل الأضرار أكثر من البحث عن مفاجأة هجومية.
وفي الوقت الذي حذر فيه ديشان لاعبيه في الجلسة التحفيزية بمعسكر الديوك من “عملاقي خط الهجوم” العراقيين، أرنولد قرر أن يغير الشكل في تلك المباراة ويدفع بأحدهما ويبقي الآخر على دكة البدلاء.

المدرب الأسترالي أجرى 4 تغييرات على تشكيلته مقارنة بمباراة النرويج، واعتمد على خطة 4-5-1 ذات الطابع الدفاعي، مع محاولة تكثيف الوجود العددي في وسط الملعب وإغلاق العمق أمام القوة الهجومية الفرنسية. لكن الفوارق الفردية والتنظيمية بين المنتخبين كانت أكبر من التكتيك.

ضغط عال وانتشار سريع
منذ البداية، اعتمد المدرب ديدييه ديشان على أسلوب الضغط العالي والانتشار الهجومي السريع، مع إجراء 3 تعديلات على تشكيلته مقارنة بمباراة السنغال حيث دفع بمانو كونيه بدلا من أوريليان تشواميني، ولوكاس دين مكان ثيو هيرنانديز، وبرادلي باركولا على حساب ديزيريه دوي.

وظهر المنتخب الفرنسي برسم أقرب إلى 4-3-3، حيث منح الحرية للثلاثي الهجومي كيليان مبابي، وعثمان ديمبيلي، ومايكل أوليس، مع تقدم الظهيرين باستمرار لخلق التفوق العددي على الأطراف.

في المقابل، تمركز العراق بـ 5 لاعبين في الوسط وأيمن حسين وحيدا في المقدمة، مع تراجع الخطوط بصورة كبيرة، الأمر الذي منح فرنسا السيطرة على الكرة والمساحات منذ الدقائق الأولى.

اعتمد العراق على أيمن حسين باعتباره نقطة الارتكاز الهجومية والمحطة التي تسمح للفريق بالخروج من مناطقه، مستفيدا من الكرات الطويلة وتحركات الظهيرين.

لكن إصابة أيمن حسين وخروجه في الدقيقة 26 قلبت المعادلة، ومع دخول علي الحمادي، فقد المنتخب العراقي جزءا مهما من قدرته على الاحتفاظ بالكرة، وأصبح الفريق يدافع لفترات طويلة دون أي متنفس هجومي.

وخلال الدقائق التسعين، فشل العراق في تسديد أي كرة بين القائمين والعارضة، وهو مؤشر واضح على العزلة التي عاشها الخط الأمامي، وعلى نجاح فرنسا الكامل في منع أي تهديد حقيقي.

ومرة أخرى، أثبت الثلاثي كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي ومايكل أوليس أنه القلب النابض للمنظومة الفرنسية.

أوليس لعب دور صانع الألعاب المتحرك، وتحرك باستمرار بين الخطوط، بينما وفر ديمبيلي العمق والسرعة على الجهة اليمنى، في حين حصل مبابي على الحرية الكاملة للتحرك واستغلال المساحات.

هذا الثلاثي سجل 9 أهداف من أصل 15 هدفا لفرنسا خلال عام 2026، كما سدد 15 محاولة من أصل 19 تسديدة فرنسية أمام العراق، وهو ما يعكس حجم اعتماد ديشان على هذه المنظومة الهجومية.

سلاح التسديد من الخارج
افتتح كيليان مبابي التسجيل في الدقيقة 14 بتسديدة يسارية قوية من خارج منطقة الجزاء بعد تمريرة من مايكل أوليسيه.

الهدف كشف إحدى نقاط الضعف العراقية، وهي التراجع المبالغ فيه أمام منطقة الجزاء وترك مساحة كافية للتسديد.

والمثير أن اثنين من آخر 3 أهداف سجلها مبابي مع المنتخب الفرنسي جاءا من خارج المنطقة، بعدما كان قد سجل 3 أهداف فقط بهذه الطريقة خلال أول 57 مباراة دولية له.

ورغم الثنائية التي سجلها مبابي، فإن مايكل أوليس كان أحد أبرز نجوم اللقاء، فلاعب بايرن ميونخ واصل تألقه بعدما صنع 3 أهداف في أول مباراتين له بالمونديال، وهو رقم يفوق ما قدمه في أول 17 مباراة دولية بقميص فرنسا.

وبات ثالث لاعب فرنسي خلال القرن الحادي والعشرين يصنع هدفين في مباراة واحدة بكأس العالم، بعد كريم بنزيما أمام سويسرا في 2014، وأنطوان غريزمان أمام إنجلترا في 2022.

وعانى عثمان ديمبيلي طويلا من غياب الأهداف في البطولات الكبرى، رغم مشاركته في 19 مباراة بين كأس العالم وكأس أوروبا. لكن أمام العراق، نجح أخيرا في كسر هذه العقدة، بعدما سجل الهدف الثالث في الدقيقة 66 إثر تمريرة ذكية من أوليسيه، ليدون أول أهدافه في بطولة كبرى.
كما أن 4 من تمريراته الحاسمة الـ 5 مع المنتخب الفرنسي جاءت لكيليان مبابي، ما يعكس حجم التفاهم الكبير بين الثنائي.

أخطاء متكررة
رغم الدعم الجماهيري الكبير والهتافات المتواصلة، عانى المنتخب العراقي من كثرة التمريرات الخاطئة والتسرع في بناء الهجمات.

وكان واضحا أن الفريق يفتقد القدرة على الخروج المنظم بالكرة، وهو ما منح فرنسا فرصا متتالية لاستعادة الاستحواذ سريعا، ويشبه الهدف الثاني لمبابي هدف إرلينغ هالاند الثاني الذي سجلته النرويج في أول مباراة إثر تبادل ركيكا للكرة بين المدافع والحارس يجد المهاجم نفسه أمام شباك خالية، مع اختلاف هوية الحارس بين المباراتين.

كما أن التكتل الدفاعي الكبير جعل المسافات واسعة بين الخطوط، وبالتالي وجد مبابي وأوليسي وديمبيلي حرية كبيرة للتحرك واستغلال أنصاف المساحات.

العاصفة “لم تغير شيئا”
بعد نهاية الشوط الأول، توقفت المباراة لنحو ساعتين بسبب تحذيرات الأحوال الجوية والعاصفة الرعدية التي ضربت فيلادلفيا.
وطُلب من الجماهير مغادرة المدرجات المفتوحة واللجوء إلى المناطق المغطاة، فيما عمل المنظمون على إزالة المياه المتراكمة من أرضية الملعب.

ورغم التوقف الطويل، لم يتغير السيناريو الفني للمباراة، فعادت فرنسا بنفس الإيقاع والضغط، وأضاف مبابي الهدف الثاني بعد تسع دقائق فقط من استئناف اللعب، قبل أن يحسم ديمبيلي النتيجة بالهدف الثالث.

وهو ما يعكس النضج الذهني الكبير الذي يتمتع به منتخب ديدييه ديشان، وقدرته على الحفاظ على تركيزه حتى بعد توقف استثنائي دام ساعتين.

منظومة مستقرة
أهم ما كشفته المباراة أن فرنسا لا تعتمد فقط على موهبة مبابي، بل على منظومة هجومية متكاملة.

فالتحركات المستمرة بين مبابي وأوليس وديمبيلي، والدعم القادم من الوسط أيًا كانت الأسماء، بالإضافة إلى الأدوار الهجومية للظهيرين، منحت “الديوك” حلولا متنوعة لكسر أي تكتل دفاعي.