
الطيب فراج يكتب: شاهد واحد يكفي
أوبة
الطيب فراج
شاهد واحد يكفي
بدا لي خلال الفترة الاخيرة ان الامور لا تسير بجد يوازي الدماء التي لازالت تسيل و افواج الشهداء الاعزاء الذين قدموا انفسهم من أجل تحرير و تأمين بلادنا العزيزة منذ اشتعال حرب الغدر و الخيانة في الخامس عشر من ابريل 2023 و حتى الساعة _ قطعا لست وحدي في ذلك _ و هو ما يستدعي وقفة جادة للمراجعة و تصويب المسار .
و لعله منذ وقوع الفاشر في يد طغمة المليشيا الإماراتية الصهيونية لم يحدث ما يمكن أن يعد تقدما يعول عليه يؤكد اننا نخطو بثبات نحو النصر الكبير الحاسم المرتجى رغم التغييرات التي طرات على هيكل قيادة القوات المسلحة و الانشقاقات التي توالت في صفوف العدو ، إذ المسيرات لاتزال تصل الى مواقع البنى التحتية الخدمية في كثير من المدن التي تحت سيطرة الجيش و القوات المشتركة ، و لاشك ان افدح الخسائر هي مقتل المئات من السودانيين الابرياء و تشريد الآلاف عن ديارهم و ابعادهم عن مصادر ارزاقهم إلى المجهول .
إن النظر الفاحص إلى اداء مؤسسات الدولة في جميع قطاعاتها لا ينبيء عن إرادة مدعومة بخطط جادة موضوعية لمجابهة واقع معيشي يمعن في التردي ، و قد تراجعت للاسف خطابات التعبئة و الاستنفار في اعلامنا الذي اكتفى باجترار مشاهد قديمة لاينفك عن إعادتها و تكرارها على مدار اليوم حتى فقدت تأثيرها المحفز للهمم نحو اعداد القوة المطلوبة لاستكمال عمليات استعادة مدن و قرى هي الآن في يد العدو .
و بينما تتوالى جرائم و اعتداءات المليشيا على الآمنين فإن بعض قنواتنا الاعلامية تتمدد فيها مساحة برامج الترفيه على حساب التداول في القضايا المصيرية التي يواجهها السودان في هذا المنعطف السياسي و الامني و الاقتصادي الحرج و اولها عدم ايلاء الاهتمام المستحق الجاد لما يلاقيه اهلنا من قتل و تشريد في المناطق التي تحاصرها مليشيا الإمارات الصهيونية في دارفور و كردفان و المهددة بخطر التقسيم الذي تعمل على تحقيقه دول كبرى غربية و اقليمية بالتواطوء مع منظمات دولية ذات لافتات و واجهات للعمل الانساني .
لقد استمعت باهتمام الى كلمات رئيس هيئة الأركان الفريق العطا التي تداولتها الوسائط في 11 يونيو الجاري و التي حملت نقدا عاصفا لاداء مؤسسات الدولة و نبهت الى خطر تغلغل الموالين للمليشيا فيها بكثافة ، بل و في قلب مراكز اتخاذ القرار و هو ما اقعدها عن اداء مهامها كما ينبغي مع اضطرد تراخيها عن القيام بواجباتها و هو ما نتج عنه قصور مشهود في الخدمات مع تفلتات امنية يتفاوت مقدارها بين منطقة و اخرى .
حديث الفريق العطا ُيفهم منه أن الاختلالات في اداء مؤسسات الدولة مفتعلة و غايتها تعسير توفير مطلوبات حياة المواطنين الأساسية و أضعاف ثقتهم فيها و من ثم الانفضاض عنها و عن إسنادها .
و لا يبدو أنه كا يعني جهة دون اخرى ، و من الشواهد انه لم تمر ايام على اعفاء احد كبار مسؤولي بنك السودان حتى اخذ مقعده ضمن حكومة المليشيا المزعومة و هو الذي ظل متهما بموالاتها لسنوات دون أن تستجيب القيادة للدعوات باقالته .
و ليست بمعزل عن النقد سياسة الدولة الخارجية التي تبدو مثل سفينة تعطلت بوصلتها في عرض البحر فهي تتردد في اي اتجاه تمضي غربا ام شرقا ؟
كان لقاء يوغندا الشهير مع راس الكيان الصهيوني و اعلان القبول بالانضمام لما يسمى الاتفاق الابراهيمي الذي يتولى كبره راس إمارات الشر فعبر الشعب السوداني عن غضبه و امتعاضه و رفضه لتلك الخطوة بكل ما اتيح له من وسائل احتجاج .
ثم كان الصمت عن هذا المسار عقب ابعاد مجموعة الحرية و التغيير من الحكومة .
وبدا ان البديل خطوات تقارب مع الصين و روسيا فتوالت الزيارات المتبادلة و تعاقبت لقاءات الوفود للنقاش حول أوجه التعاون الممكنة و نشرت مصادر عدة اخبارا عن اتفاقات لانشاء قواعد عسكرية روسية في البحر الأحمر . لكن حتى اليوم لم يحدث من ذلك شيء .
ثم عاد الحديث مرة أخرى عن الاتفاق الإبراهيمي عندما ذكًر به رئيس مجلس السيادة في مقاله الذي نشره في صحيفة وول ستريت جورنال الامريكية الصادرة بتاريخ 26 نوفمبر 2025 في ما يوحي انه محاولة لخطب ود امريكا ، مما يعني ان سياستنا الخارجية لم تتحرر بعد من ذاك المعسكر و تبعاته كما لم تحسم امرها نحو وجهة اخرى . و كان من آثار هذا الارتباك في السياسة الخارجية تعاقب هذا الكم من الاسماء على راس الوزارة منذ اتفاق جدة و الى اليوم .
لقد تحملت تجمعات الجاليات في كثير بلاد الغرب عبء إسماع صوت السودان هناك بقوة قاطعة الطريق على مؤامرات المؤتمرات التي كانت تسعى لتمرير اجندة العملاء الممالئة للغرب و تمكنت من محاصرتها و ردها خائبة . لقد كانت الجاليات في اوربا أقوى حضورا و تأثيرا من بعض سفارتنا هناك خلال تلك الأوقات العصيبة المتطاولة و الى اليوم .
إن كلمات رئيس هيئة الاركان ينبغي أن لاتمر دون أن يترتب عليها اجراءات جادة و قرارت جوهرية لتصحيح المسار لا تحابي احدا فالامر يخص مهددات حياة شعب و مصيره ، و مستقبل وطن ارتوت أرضه بدماء غالية و حوى باطنها خيرة أبنائه و بناته شهداء في سبيل استقلاله و عزة اهله .
شهادة العطا وحدها تكفي فلا تبحثوا عن شاهد آخر لإصدار حكم على اداء جهاز الدولة بل المطلوب قرارات تصحح وجهتها و تضع الحصان امام العربة لتنطلق نحو إستكمال رحلة التحرير
.